يحيى العامري الحرضي اليماني
93
غربال الزمان في وفيات الأعيان
وخلافته سنتان وستة أشهر وأيام كخلافة الصديق ، وعمره أربعون سنة ، وكان أبيض جميلا نحيف الجسم حسن اللحية في جبهته أثر حافر فرس من صغره ، ولذلك كان يقال له الأشجع ، وأشج بني أمية ، حفظ القرآن في صغره ، وبعثه أبوه من مصر إلى المدينة فتفقه بها حتى قيل : إنه بلغ رتبة الاجتهاد . جده لأمه عاصم بن عمر بن الخطاب ، وذلك أن عمر خرج طائفا ليلة فسمع امرأة تقول لبنية لها : اخلطي الماء في اللبن ، فقالت البنية : أما سمعت منادي عمر بالأمس ينهى عنه ؟ فقالت : إن عمر لا يدري عنك ؛ فقالت البنية : واللّه ما كنت لأطيعه علانية وأعصيه سرا ؛ فأعجب عمر عقلها ودينها ؛ فزوجها ابنه عاصما ، فهو جد عمر بن عبد العزيز . قال السيد الجليل رجاء بن حيوة : استشارني سليمان بن عبد الملك فيمن يعهد إليه بالخلافة ، فأشرت بعمر ، فقال : كيف ببني عبد الملك ؟ فقلت : اكتب كتاب العهد واختمه وبايع لمن فيه ؛ ففعل ، فلما مات كتمنا موته ، ثم قلت : بايعوا لأمير المؤمنين ثانيا على السمع والطاعة لمن في الكتاب [ ففعلوا ، فقلت : أعظم اللّه أجركم في أمير المؤمنين ، ثم أخرجت الكتاب ] « 1 » فوجموا ولم يقولوا شيئا ، ثم خرجوا في جنازته ركبانا ، وخرج عمر ماشيا ، فلما رجعوا أرسل عمر إلى نسائه : من أرادت منكن الدنيا فلتلحق بأهلها فإن عمر قد جاءه شغل شاغل ، فسمعت النوائح في بيته يومئذ . وقال أيضا : قوّمت ثياب عمر وهو يخطب باثني عشر درهما وكانت حلة قبل ذلك بألف درهم لا يرضاها ، وقال : إن لي نفسا ذواقة تواقة كلما ذاقت شيئا تاقت إلى ما فوقه ، فلما ذاقت الخلافة لم يكن في الدنيا ما فوقها تاقت إلى ما عند اللّه في الآخرة ، وذلك لا ينال إلا بترك الدنيا . ومن كلامه رضي اللّه عنه : ينبغي في القاضي خمس خصال : العلم بما يتعلق به ، والحلم عند الخصومة ، والزهد عند الطمع ، واحتمال للأئمة ، والاستشارة لذوي العلم .
--> ( 1 ) ما بين القوسين ليس في الأصل ، واستدرك من ب .